السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
487
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الكلام على ما يقتضيه الطبع والعادة فيؤتى في التعبير بما يناسب ذلك فأحد القبيلين المتخاصمين إذا أراد أن يخبر صاحبه أن الخصومة والدفاع قائمة بجميع أشخاص قبيله من ذكور وإناث وصغير وكبير فإنما يقول : نخاصمكم أو نقاتلكم بالرجال والظعائن والأولاد فيضع الكلام على ما تقتضيه الطبع والعادة فإن العادة تقتضي أن يكون للقبيل من الناس نساء وأولاد والغرض متعلق بأن يبين للخصم أنهم يد واحدة على من يخاصمهم ويخاصمونه ، ولو قيل : نخاصمكم أو نقاتلكم بالرجال والنساء وابنين لنا كان إخبارا بأمر زائد على مقتضى المقام محتاجا إلى عناية زائدة وتعرفا إلى الخصم لنكتة زائدة . وأما عند المتعارفين والأصدقاء والأخلة فربما يوضع الكلام على مقتضى الطبع والعادة فيقال في الدعوة للضيافة والاحتفال : سنقرئكم بأنفسنا ونسائنا وأطفالنا ، وربما يسترسل في التعرف فيقال : سنخدمكم بالرجال والبنت والسبطين الصبيين ؛ ونحو ذلك . فللطبع والعادة وظاهر الحال حكم ، ولواقع الأمر وخارج العين حكم ، وربما يختلفان ، فمن بنى كلامه على حكاية ما يعلم من ظاهر حاله ، ويقضي به الطبع والعادة فيه ثم بدا حقيقة حاله وواقع أمره على خلاف ما حكاه من ظاهر حاله لم يكن غالطا في كلامه ، ولا كاذبا في خبره ، ولا لاغيا هازلا في قوله . والآية جارية على هذا المجرى فقوله . فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ، الخ ؛ أريد به على ما تقدم : أدعهم إلى أن تحضر أنت وخاصتك من أهلك الذين يشاركونك في الدعوى والعلم ، ويحضروا بخاصتهم من أهليهم ، ثم وضع الكلام على ما يعطيه ظاهر الحال أن لرسول اللّه في أهله رجالا ونساء وأبناء ولهم في أهليهم رجال ونساء وأبناء فهذا مقتضى ظاهر الحال ، وحكم الطبع والعادة فيه وفيهم ، أما واقع الأمر وحقيقته فهو أنه لم يكن له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من الرجال والنساء والبنين إلّا نفس وبنت وابنان ، ولم يكن لهم إلّا رجال من غير نساء ولا أبناء ، ولذلك لما أتاهم برجل وامرأة وولدين لم يجبهوه بالتلحين والتكذيب ،